الأحد , أبريل 23 2017
الرئيسية / المقالات / أصول التيار التكفيري الجديد

أصول التيار التكفيري الجديد

 البدیع – وجّهت موجة الرعب الجديدة التي أوجدتها داعش في المنطقة الممتدة من القرن الأفريقي إلى أوروبا والدول المطلّة على جنوب منطقة الخليج مرّة اخرى أنظار الرأي العام نحو القدرة التي تمتلمكها هذه الفرقة التكفيرية على نشر الخراب والدمار من خلال العمليات الإرهابية التي تقوم بها.

إذ أن أمراء الحرب في داعش باتوا أكثر شقاوة من الماضي ولايزال يواصلون إجرامهم بالرغم من كل المساعي الدولية الواسعة وايضاً مواجهتهم ومحاربتهم من قبل قوّات الحشد الشعبي في العراق و الأكراد في سوريا بحيث ان هذه المواجهة لم تؤدي إلى الحدّ من حجم ونوعية العمليات التخريبية و الإجرامية التي يقوم بها التكفيريون في العراق وسوريا لا بل إنها دفعت بهؤلاء إلى القيام بأفعال إجرامية وجرائم إرهابية أكثر خارج نطاق حدود دولتها خلافتها المزعومة وبالطبع لايمكن إغفال هذه النقطة وهي ان القوّات المقاومة في العراق وسوريا قد قاموت مؤخراً بتوسيع خطوطهم الدفاعية وقاموا بتحرير مناطق واسعة واسترجعتها من قبضة التكفيريين وهنا يطرح هذا السؤال الذي هو محل بحثنا ونقاشنا ماهو الدافع أو القوّة التي تدفع بداعش لارتكاب هذه الجرائم؟بعبارة أخرى ماهي العلاقة بين العميات الإرهابية التي نفذت في تونس والكويت بتنظيم داعش التكفيري؟ هل ان منفّذي هذه العمليات الارهابية هم من العناصر الأساسيين في تنظيم داعش أو أنهم يقومون بشكل متعمد بهذه الأعمال اللاإنسانية ودون الرجوع إلى أحد؟قمنا بإجراء حوار بهذا الخصوص مع الدكتور “حميد احمدي” الأستاذ في العلوم السياسية في جامعة طهران والخبير في قضايا الشرق الأوسط والتيارات الإسلامية وتم تسليط الضوء على جذور وفكر وعقائد التيار التكفيري في منطقة الشرق الأوسط والاختلافات الفكرية و التنظيمية لداعش مع مثيلاتها ممن سبقها كـتنظيم القاعدة وفي تتمة الحوار تم مناقشة حرية التحرّك التي يتمتع بها عناصر داعش الإرهابية و علاقة هذا التنظيم بالعمليات الإرهابية التي تحصل في البلدان الأخرى.

1)البعض في مقايسة تدعو إلى التأمل يعتقدون بان داعش هي بمثابة الموجة الثالثة للتكفير في المنطقة بعد جماعة الإخوان المسلمين والقاعدة ماهي رأيكم بهذا التصنيف؟

في الوهلة لابد أن نرى من هم الاشخاص الذين قاموا بإطلاق هذا التصنيف وفي الأساس ماهو دليلهم و معيارهم و فكرهم على هذا الأمر؛في الحقيقة إن طرح هذه الموجات الثلاثة يثير دهشتي وتعجبي ولم أسمع بمثل هذا الأمر حتى الآن إذ أني قد قمت بدراسات كثيرة في مجال أدبيات التيارات الإسلامية وقمت بتأليف وترجمة بعض المؤلفات بهذا الخصوص و أرى أنه لا بد من القول بانه لم يَرِد في تصنيفات هذه التيارات المذكورة على الإطلاق بان الأخوان المسلمين هم جماعة او تنظيم تكفيري لكن البعض اطلق على فرقة انفصلت عن الإخوان المسلمين  في عقد السبعينات اسم الجماعة التكفيرية وكان اسم هذه الفرقة هو “جماعة المسلمين” وكان يتزعّمها ويتولّى إدارتها المهندس “شكري مصطفى” حيث كانت تطلّعات ونموذج هذه الحركة مستقاة من افكار سيد قطب والتي تشبّه المجتمع المصري بالمجتمع الجاهلي بسبب ابتعاد الناس عن التعاليم الإسلامية الأصيلة وكذلك الأمر بان الفترة التي عاشوا فيها تحت ظل الحكومات العلمانية والمستبدة دفعتهم إلى الرجوع إلى عهد الجاهلية ومن وجهة نظره فإن طريق العلاج لهذا المجتمع هو الهجرة إلى الحقبة الذهبية و المنيرة لصدر الإسلام ولذلك فإن المهندس شكري دعا إلى الرجوع إلى أحكام الدين الأصيل من خلال توجيه الانتقاد لنمط الإدارة و نموذج الحكم في مصر آنذاك وصرّح بأنه لابدّ من تهيئة الأرضية لإيجاد دولة إسلامية عبر التعليم والعمل الفكري؛ ولمواجهة المساعي والاقدامات الفكرية لفرقة جماعة المسلمين قامت الأجهزة الحكومية في مصر آنذاك باتهام هذه الجماعة بالتكفير والميول الجهادية تخوفاً وقلقاً من استمرارية وبقاء هذه الجماعة داخل مصر؛وقد أطلقت الأجهزة الاستخباراتية المصرية وكذلك الصحف في مصر على هذه المجموعة لقب “التكفير و الهجرة” لكن الحقيقة هي غير ما كان يروّج له الجهاز الحكومي في مصر وجماعة الأخوان المسلمين لم تقم تحت أي ظروف بتكفير المصريين ولم تعتبرهم بأنهم خرجوا عن الدين لكي يتمّ على هذا الأساس التعدي على أموالهم و أرواحهم  وشكري مصطفى نفسه كان يعتقد إلى هذا الحد بان المسلمين المصريين قد انحرفوا عن المسير الصحيح للإسلام وهذا الجانب من فكره الذي يقول بوضع فارق بين المسلم الحقيقي و غير المسلم إنما كانت وسيلة لتهيئة الأرضية من أجل توجيه الاتهام إليه وإلى من يتبني و يحمل فكره عبر الصحف الحكومية في مصر حيث أن المهندس شكري يعتبر نفسه وأعضاء جماعته بانهم هم المسلمون الحقيقيون لكن هذا المدعى لم يؤد به في أي وقت إلى أن يصدر امراً بالاصدام و المواجهة بشكل مباشر والدخول في صراع والوقوف وجهاً لوجه في مقابل سائر المسلمين وباقي الفرق الدينية الأخرى.

و وفقاً لما قيل بات واضحاً بان جماعة الإخوان المسلمين بشكل لا لبث فيه بانها ليس ضمن دائرة التكفير وليس هناك سوى حزب ينتمي إلى هذه الجماعة قد تأثّر بتعاليم سيد قطب و فتح باب النقاش فيما يتعلق بمواجهة المجتمع الجاهلي كما سبق أسلفت.

فالإخوان المسلمين طوال فترة تاريخهم الفكري والسياسي لم يُعرفوا كجماعة او حزب ذو ميول تكفيرية ولم يُلاحظ في أي من بياناتهم أو جداول اعمالهم أو تعاليمهم أي عبارات عن الجاهلية أو التكفير يُقصد قيها المسلمون وفكرة المجتمع الجاهلي اول من طرحها كان السيد قطب بحيث لاقت هذه الفكرة معارضة شديدة من قبل المؤيدين والقادة الأُوَل للإخوان المسلمين في حين ان قادة الإخوان كانوا يروّجون لفكرة الدعوة و من كبار المفكّرين الذين تبنوّا  هذه الفكرة كان السيد الهضيبي وهو ثاني مرشد عام للإخوان المسلمين الذي سعى من خلال كتابه المسمى بـ “دعاة لا قضاة ” إلى الإجابة على التعاليم المتشددة الي نادى بها السيد قطب ويطرح في كتابه وجهة النظر هذه قائلاً بان رسالتنا المحمدية الأصيلة تنحصر ضمن إطار الدعوة لتعاليم الإسلام الأصيل وبعبارة أخرى نحن نقوم بدور الدعوة والتبليغ للناس وأما ردّة الفعل أو الأفعال التي تصدر عن الناس بعد ذلك فهي متعلقة بهم انفسهم وقد أورد هذه الرؤية من قبل حسن البنّا في كتابه “مذكرة الدعوة والداعية” حيث اعلن مؤسس حركة الإخوان حسن البنّا بشكل صريح قائلاً بأن وظيفته ليس مقاضاة الناس على أعمالهم ويستند حسن البنا في هذا الموضوع إلى عدّة أيات من القرآن الكريم ليثبت صحّة مدعاه معتبراً بان الرسالة الأساسية للنبي كانت تهدف إلى الترويج والتعريف بالأحكام الإسلامية والدعوة إلى هذه الأحكام و التعاليم.

2) بناء على هذه الادلة نستنتج بان الأخوان المسلين هم جماعة معتدلة تنحصر رسالتها الأساسية ضمن إطار دعوة الناس إلى الإسلام إذاً ماهي الجذور الأساسية للتكفير وفي أي قسم من التاريخ ينبغي علينا البحث عنها؟

قبل الدخول في هذا البحث علينا في البداية ان نقوم بتعريف التكفير ومن ثمّ بناءً على أساس هذا التعريف نقوم بالتطرق قياس ومعرفة علاقة بعض الجماعات الإسلامية بالتعاليم ذات الطابع التكفيري؛إذاً الميول التكفيرية تطلق على المجموعات التي تعتبر بان ما دونها وغيرها هم كفّار ولا دين لهم بحيث ان هذه التعاليم و الميول متواجدة بشكل قويٍّ و ملموس في أفكار منطقة الشرق العربي و خصوصاً في شبه الجزيرة العربية والشخصية التي رسّخت هذه الأفكار هي مؤسس الوهابية”محمد بن عبد الوهاب” الذي تأثر بأفكار ابن حنبل،ابن تيمية،ابن قيم الجوزي وباقي الأفكار والمفكرين الأخرين في العالم العربي وخصوصاً أفكار ابن تيمية إذا لابد من أخذ هذه النقطة بعين الاعتبار بأن السيد قطب وباقي الجماعات الإسلامية في منطقة الغرب العربي قد تأثروا بالجهاز الفكري لابن تيمية لكن نوع نظرة و نفوذ ابن تيمية إلى كل من الشرق و الغرب العربي يختلف عن بعضهما البعض بحيث ان الغرب العربي يتبنى أكثر سلوك و افكار ابن تيمية الجهادية في حين ان الشرق العربي قام بتبني الافكار و التعاليم العقائدية المتشددة لابن تيمية ويقال بان ابن تيمية دعا الناس إلى الجهاد والمقاومة عندما قام المغول بشنّ هجومهم إلى شعوب تلك المناطق  لمواجهة هذه العدو الخارجي بحيث كان لوجهة النظر هذه لابن تيمية أثرها على الجماعات الجهادية في مصر في الغرب العربي وهؤلاء بوضعهم لعقائد و افكار ابن تيمية التي تعتقد بقتل الشيعة و غير المسلمين بالإضافة إلى الجانب الجهادي بات هؤلاء يعتبرون بان الإسلام هو دين مواجهة و جهاد الأعداء الاجانب.

وبسبب الخلفية التاريخية والثقافية في شبه الجزيرة العربية نمت الطائفية والزندقة لابن تيمية وكانت فرقة الوهابية أول شرارة كبيرة في العالم الإسلامي لبدء التكفير حيث اول من أسس هذه الفرقة كان محمد بن عبد الوهاب نفسه وتنادي بهذا الفكر وهو أن المسلمين قد خرجوا عن دينهم و ينبغي مواجهتهم والجهاد ضدهم من اجل هدايتهم إلى طريق الإسلام القويم والصحيح فالوهّابيون الذين هم من الحنابلة من اهل السنّة يعتبرون بان كل ماهو غيرهم من باقي المسلمين هم إما منحرفين او كافرين وينبغي بالتالي مواجهتهم و الجهاد ضدهم وعليه فإن موروث ابن تيمية الفكري المتشدد قد انتقل ليصل إلى الشرق العربي و الموروث الجهادي انتقل إلى التيارات الإسلامية في الغرب العربي ولذلك من أجل فهم أدبيات التكفير لابد لنا من الرجوع إلى أفكار الشرق العربي.

3) اليوم يقوم التكفيريون من داعش بالحديث علناً عن مواجهة و قتل المسلمين في المنطقة إذاً فهل يمكننا ان نقوم بطرح هذه الرؤية وهي ان الخلفية الفكرية لداعش هي أوسع من الشرق العربي والأفكار الوهابية؟

داعش  اليوم هي رمز كامل لافكار ابن تيمية فإذا كانت قد قُسّمت أفكار ابن تيمية سابقاً بين كل من الشرق العربي و الغرب العربي فإننا اليوم نجد بان هذه الأفكار قد تجسّدت بشكل كامل في داعش فطريقة هذا التنظيم في إباحة إراقة دماء الكافرين والمسلمين الشيعة ومن ناحية أخرى إدعاؤه المزعوم القائم على السعي من أجل إحياء الخلافة الإسلامية كلها تشير إلى تأثر هذا التنظيم فكرياً بعقائد و أفكار ابن تيمية.

4)إذا وفقاً لما تفضلتم به لايمكننا الحديث عن الموجات الأخرى للتكفير في العالم الإسلامي؟

إذا أردنا البدء بالإخوان المسلمين فالجواب كلّا لكن الباحث الفرنسي جيل كابل في مقال له نشر في صحيفة الـ نيويورك تايمز تحدّث فيه عن الموجة الثالثة او بعبارة أخرى الجيل الثالث من العمليات الجهادية و الجهاديين وكان يقصد تركيز داعش على اوروبا واعتبر بان الجيل الأول للجهاديين كان عام 1980م حيث كانوا يسعون آنذاك إلى ضرب الأهداف الروسية والغربية المعادية لهم والجيل الثاني كان القاعدة و استهداف أميركا في عقد التسعينات و أوائل القرن الحادي و العشرين و الجيل الثالث كان داعش الذي بدأ باستهداف اوروبا منذ عام 2015م وانا نفسي قمت في مقالة لي قبل ظهور داعش إلى تصنيف العنف الذي تمارسه التيارات الإسلامية إلى ثلاثة أنواع وسمّيتهم كالآتي”العنف الارتدادي،العقائدي والطائفي وتمّ طباعته في كتاب تحت عنوان” التعرف على مجتمع التيارات الإسلامية” فالعنف الارتدادي نشأ عندما تعرّضت التيارات الإسلامية لضغوطات وممارسات القمع الواسعة من قبل الحكومات وفي ظل مثل هذه الظروف كان التيار المستهدف يقوم باتخاذ إجراءات مثل الاغتيالات السياسية من اجل الرد على القمع الذي تقوم به الدولة و الإجراءات التي أقدم عليها الإخوان المسلمين في بداية فترة رئاسة جمال عبد الناصر يمكن تحليله ضمن هذا الإطار وفي تلك الفترة قام الإخوان بالرد على الضغوط السياسية للدولة وأقدموا على اغتيال رئيس الوزراء المصري آنذاك”نقراشي باشا” في عام 1948م وفي عام 1954م سعوا إلى اغتيال جمال عبدالناصر اما النوع الثاني من الرعب فهو العنف الإيديولوجي او العقائدي الذي بدأ مع بدء ظهور أفكار و إجراءات  سيد قطب وهذا النوع من العنف كما هو واضح من اسمه كان ذا طابع أيديولوجي ويُبيح استخدام السلاح لكن في هذا الشأن لابد من القول بان السيد قطب نتيجة لقراءته للأفكار الماركسية في تلك الفترة فإنه قد تأثر أيضاً بتلك الأفكار و كان في إيران أيضاً جماعات من هذا القبيل مثل جماعة مجاهدي خلق و باقي الجماعات الإسلامية الأخرى التي تأثرت بنظرية الصراع الطبقي ومن بعدها حرب العصابات التي قادها جيكفارا و ماو تسي تونغ و المستهدفين في هذا العنف هم المسؤولين في الحكومات ليثنّى لهم من خلال قتلهم واغتيالهم من تشكيل الحكومة الإسلامية وأخيراً العنف الثالث هو العنف الطائفي الذي برز و ظهر بشكل متدرّج في العالم الإسلامي في أواخر عقد الثمانيات والتسعينات مع ظهور القاعدة فالتكفير في هذا النوع من العنف يبدو واضحاً وجليّاً واليوم قد تجسد بشكل دقيق على أرض الواقع من خلال الأعمال التي تقوم بها داعش وهذا النوع من العنف المتمثل بالعنف الطائفي هو نتاج تلاقي التيارات الإسلامية في الشرق والغرب العربي اللذين اجتمعا حول بعضهما البعض في أفغانستان في عقد الثمانيات من القرن الماضي بسبب التهديد السوفياتي وخلال هذه السنوات كان هناك تعاون بين الجماعات الإسلامية المختلفة القادمة من الجزائر،مصر،الأردن،فلسطين والسودان مع ذوي الميول الوهابية القادمين من السعودية ومن خلال هذا التعاون التقى كل من ابن تيمية المفكر والمجاهد مع بعضهم البعض وكان هذا الامر حجر الاساس لظهور القاعدة والحركات التكفيرية في المنطقة حيث كان الغرب العربي هو العقل المفكر والمنظم لهذه التيارات والشرق العربي كان يقود الهيكل التنظيمي والمالي للتكفير ومن بعد تلك السنين بدأنا نشهد انبعاث وانكفاء موجة التكفير من افغانستان وباكستان إلى الدول العربية في المنطقة لدرجة اننا شهدنا خلال أعوام عقد التسعينات موجة من الانفجارات الإرهابية الواسعة والموجّهة مع بدء هجرة العرب الأفغان إلى دول مثل الجزائر،مصر و باقي دول شمال أفريقيا و وفقاً للإحصائيات فإنه خلال تلك الأعوام قد قتل وجرح العشرات من السياح الأجانب و المئات لا بل الآلاف من المواطنين العرب خصوصاً أثناء الحرب الداخلية في الجزائر التي امتدت من عام 1991 إلى 1996م.

5) بناء على هذه النظرة يمكن القول بان الإرهابيين الذي انحدروا على الدول العربية في فترة العقدين الـ80 و 90 الميلادي قد تربّوا على يد القاعدة؟

بدأ تعاظم موجة التطرّف التكفيري بشكل متدرّج نتيجة الظروف الدولية و الداخلية منذ عقد الثمانيات ففي تلك السنوات شهدنا الحضور والدور الهام لجيش الصحابة في باكستان في إصدار أحكام النفي والطرد للآخرين وبالخصوص الشيعة بحيث انه قد سبق القاعدة في إصدار هذه الأحكام فمن وجهة نظر هذه الفرقة فإن الشيعة هم ملحدون ويجب محاربتهم وقد قام هؤلاء بعمليات إرهابية متعددة ضد الشيعة في باكستان و أمّا في شمال أفريقيا فقد بدأت فروع الجماعات الإسلامية المتشددة منذ التسعينات وبعد بشكل تدريجي بالقيام بأعمال إرهابية بحق المواطنين والسيّاح الأجانب وكمثال على ذلك الجماعة الإسلامية المسلّحة والتيار الراديكالي لجبهة الإنقاذ او النجاة الإسلامية في الجزائر حيث قامت باعمال عنف كثيرة طيلة هذه السنوات ضد المسلمين هناك.

لكن بشكل عام الشيء الذي كان ملموساً و واضحاً هو ان داعش رسمت و جسّدت الوجه الحقيقي للتكفير على المستوى العالمي وبعبارة أخرى فإن هذا التنظيم بات بمثابة ذروة الفكر التكفيري مقايسة بالأفكار التي كانت حاضرة في العالم العربي على مدى المئة عام الماضية وتحوّل إلى نموذج لباقي الحركات الأخرى في المنطقة و العالم.

6) إذا اعتبرنا أن القاعدة مصدر إلهام الأفكار التكفيرية فهل بإمكاننا أن نطرح وجهة النظر هذه وهي أن داعش هي الممثل الحديث لحركة القاعدة في الشرق الاوسط؟

بالرغم من التشابه الكبير بين القاعدة و داعش إلا أنه لا بد من القول بأن هناك اختلافات و فروق مهمة في الطرق التي يتبعها كلاهما وكذلك في الأفكار وفي ما يخص المجالات المشتركة يجب القول بأن كلا هذين التيارين تمّ رفدهما بالافكار السلفية الوهابية وان خلفيتهما الفكرية تعود إلى أفكار ابن تيمية وباقي السلفيين المتشددين الآخرين لكن فيما يتعلق بالفروق و الاختلافات بينهما لابد من اخذ هاتين المسألتين بعين الاعتبار وهو ان الكثير من المحللين يضعون فارقاً في ميزان و درجة التكفير بين كل من القاعدة و داعش بحيث يعتبرون بان داعش على مستوى و درجة أعلى من التكفير من القاعدة وميزان العنف و حدود الحماس لهذا التنظيم هي اوسع مقايسة بالقاعدة والأعمال العنف التي يمارسها هذا التنظيم بحق أبناء جلدته هي اكثر مما كان يقوم به تنظيم القاعدة؛ لكن النقطة الأخرى فيما يتعلّق بالاختلافات و الفروق بين هذين التنظيمين هو في الجانب العقائدي بحيث أنّ الكثيرين يعتبرون بان داعش وهابية اكثر من القاعدة ومن وجهة نظري هناك بعض الإشكالات التي تلف صحة هذا الأمر بشكل نسبي فمن الناحية العقائدية لا شك بان القاعدة قد تأثرت بالأفكار الوهابية بشكل كبير نظراً لارتباطها بشبه الجزيرة العربية في حين ان هذا التأثر هو أقل لدى داعش لانها نهضت من أرض العراق إذ يتخللها خليط وتركيب قوي من الأفكار والسلوكيات المرتبطة بالنظام البعثي السابق في العراق والمؤيّدين لهذا الاختلاف يأخذون بعين الاعتبار طبيعة الأعمال والعنف الذي يمارسه كلّ منهما ويعتبرون بان داعش هي المرحلة النهائية للتكفير والميزة الأساسية الفارقة بين داعش و القاعدة هو في الاستراتيجية لا في الفكر فقط فالقاعدة ركّزت اهتمامها و اهدافها على غير المسلمين و خصوصاً المواطنين والمسؤولين في الدول الغربية وكانت ترّوج في شعاراتها إلى محاربة الإمبريالية الغربية و كانوا يزعمون بانهم يتوّلون مسؤولية رفع لواء مواجهة الهيمنية الغربية و خصوصاً أمريكا بالنيابة عن المسلمين في حين أن أولويات داعش الجهادية هي محاربة المسلمين والمذاهب الإسلامية على الأراضي الإسلامية  وبعبارة اخرى فإن داعش وضعت في اولوياتها محاربة العدو القريب بدلاً من مواجهة العدو البعيد والنقطة الأخرى في هذا الخصوص التي لابد من الإشارة إليها هي أن الفِرَق الأُولى لداعش تسخرّ العنف الطائفي والاسلام كوسيلة من اجل النيل باهدافها وتحقيقها إذ أن قطع الاعناق و المجازر الجماعية و حرق أسراها وهم احياء كل هذا قبل ان يكون ذو طابع ديني و عقائدي فهو استراتيجية من قبل داعش لإظهار مدى قدرتها بين قوّاتها و وليتثنى لها من خلال ذلك نشرها الرعب في قلوب معارضيها.

وكما هو ظاهر فإن الاختلاف الآخر بين هاتين الجماعتين هو ان داعش على العكس من القاعدة لم تقم بوضع شروط لطبيعة العناصر التي تنضم إليها وهي تعمل على جذب عناصر لينضموا إليها من كافة انحاء العالم بحيث ان هذا الامر كان موجوداً في تنظيم القاعدة لكنه لم يكن على هذا القدر من الوسعة،حيث أن قادة داعش استطاعوا من خلال استخدامهم لتكنولوجيا التواصل إن يتحوّلوا إلى شبكة عالمية وأن يقوموا بجذب الأعضاء إليهم من كافة انحاء العالم.

7) النقطة الأخرى المتعلقة بداعش هي العمليات والإقدامات الإقليمية التي أقدم عليها هذا التنظيم كم حدث مؤخراً في منطقة الشرق الأوسط في (الكويت،تونس،مصر)حيث حصلت تفجيرات وعمليات إرهابية كبيرة قام بتني مسؤوليتها تكفيريون تابعون لداعش فهل ان تبني داعش لمسؤولية القيام بهذه العلميات هي استراتيجية نفسية لهذا التنظيم لتظهر مكانتها وقوّتها أو أن أعضاء هذا التنظيم حقيقة كان لهم دور مباشر في حصول هذه الأعمال الإرهابية؟

من البديهي ان عناصر ومؤيدي داعش هم السبب الرئيسي وراء وقوع هذه الأحداث إذ ان داعش تعمل من خلال استخدامها للشبكات الافتراضية إلى جذب المؤيدين لها من أقصى نقاط العالم وهؤلاء الأفراد بالرغم من عدم تواجدهم في العراق وسوريا إلا انه من الناحية الفكرية هم يقفون إلى جانب داعش ومستعدّون للقيام باعمال إرهابية بالنيابة عن هذا التنظيم تصب وتخدم مصالح هذا التنظيم وفي المقابل تريد داعش عبر الاعلان عن مسؤوليتها عن القيام بهذه الأحداث ان توحي للرأي العام في العالم هذا الأمر وهو انه مع مضي العام الثاني على وجود هذا التنظيم لم تتراجع حجم ونوعية العلميات التي يقوم بها لا بل انها أصبحت أكثر اقتداراً وبدأت أيادي هذا التنظيم تصل إلى خارج حدوده في العراق وسوريا وبالطبع من وجهة نظري فإن هذا ليس مجرد إدعاء او زعم وإنما هو حقيقة فإعلان كل من بوكو حرام،القاعدة في شبه الجزيرة،اليمن،صحراء سينا،افغانستان،باكستان وليبيا مبايعتهم لتنظيم داعش يشير إلى ان هذا التنظيم قد تحوّل إلى جماعة تخطّت حدود العراق وسوريا والآن بناء على  عهدهم بالمبايعة هذا يقومون بإعداد قوّات و منفذي هجوم تابعين لهم في كل المنطقة وخصوصا في العالم العربي لخدمة مصالح هذا التنظيم.

8) فيما يتعلق بالاحداث الإرهابية التي حصلت في تونس و الكويت يطرح هذا الأمر وهو ان داعش تسعى إلى التغطية داخلياً على الهزيمة التي منيت بها من قبل القوّات الكردية برأيكم ما مدى حقيقة هذا الأمر؟

لقد قامت داعش مسبقاً بالاستفادة من مثل هذه الاستراتيجيات لتقلل من مدى اهمية انتصارات معارضيها والآن تسعى من خلال الاعلان عن التهديدات الواسعة خارج حدودها و كذلك الإعلان القيام بعمليات خارج حدود سوريا و العراق للعمل على تغيير الجو النفسي للصراع.

9) بالنظر إلى التقدّم الذي احرزته القوّات الكردية في سوريا وكذلك الأمر التقدّم الذي حققته جبهة الحشد الشعبي في العراق إذاً كيف تقيّمون احتمالات الصراع في المنطقة؟

إن داعش يمكن السيطرة عليها واحتواؤها نظراً للجهوزية العالية التي تتمتع بها القوّات العراقية وكذلك الشرعية التي تحظى بها الحكومة العراقية بحيث ان القوّات العراقية استطاعت اليوم ان تغيّر مسار و وجهة جبهة الحرب على التكفير لمصلحتها بعد ان تلقت معدّات و مساعدات لوجستية من قبل بعض الدول الإقليمية والدولية والنقطة الأخرى فيما يتعلق بالعراق هو إجماع القوى العالمية والإقليمية من أجل إعادة الاستقرار السياسي إلى هذا البلد فاليوم كافة الدول الصديقة والمعادية باتت متفقة في الرأي ومجمعة على إعادة الثبات و الاستقرار لهذا البلد ومؤكدة على وحدة الأراضي العراقية في حين ان الوضع في سوريا مختلف بشكل كبير عما هو عليه في العراق.

إذ ان الحكومة المركزية في سوريا قد تراجعت قوّتها وخرجت الأمور عن سيطرتها إلى حدّ ما والدول الأجنبية لم تتوصل بعد إلى رأي واحد فيما يتعلق بمستقبل هذا البلد فالغرب لم يتوصّلوا حتى الآن إلى رأي جامع فيما يتعلق ببقاء الرئيس الأسد في السلطة أو رحيله ومن ناحية اخرى هناك تواجد و حضور كبير للجماعات المتطرفة المختلفة ضمن هذا البلد كل منها يزيد من تعقيدات التطورات في سوريا ولهذا من المحتمل أن نشهد في المستقبل تراجع و انسحاب القوّات التكفيرية من العراق نحو سوريا.

شاهد أيضاً

الجيش السوري يخلط الأوراق إقليمياً وتل أبيب تشعر بالقلق الإستراتيجي!؟

البديع / وكالات – ما تزال أصداء الرد الصاروخي للجيش السوري على الغارة التي شنتها الطائرات ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *